الشيخ محمد رشيد رضا
88
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
بأداة الافتتاح « ألا » للاهتمام به إذ المراد بها توجيه ذهن القارئ لما يلقى بعدها حتى لا يفوته شيء منه ، أي الا فليعلموا ان الشؤم الذي نسبوه إلى موسى وعدوه من آثار وجوده فيهم هو عند اللّه تعالى لا عند موسى ومن معه ، فهو تعالى قد جعل لكل شيء قدرا من حسنة وسيئة بمعنى انه وضع لنظام الكون سننا تكون فيها المسببات على قدر الأسباب ، ولكل منها حكم ، فبمقتضى هذه السنن والاقدار ينزل البلاء عليهم ، وهو امتحان واختبار لهم بما يسوءهم ، ليتوبوا ويرجعوا عن ظلمهم وبغيهم على بني إسرائيل وطغيانهم واسرافهم في كل أمورهم ، ولكن أكثرهم لا يعلمون حكم التصرف الرباني في الخلق ولا أسباب الخير والشر الصورية ولا المعنوية وكون كل شيء في هذا الكون بمشيئته تعالى وتدبيره وفي الآية من نكت البلاغة انه عبر عن مجيء الحسنة باذا الدالة على تحقق الوقوع وعرّفها لإفادة انها الأصل الثابت الغالب بغلبة رحمة اللّه وفضله على سخطه وعقابه ، وعبر بإصابة السيئة بان التي هي أداة الشك - اي إن شرطها إما مشكوك في وقوعه وإما منزل منزلة المشكوك فيه لندرته أو لسبب آخر - ونكر السيئة لإفادة ان وقوعها قليل وخلاف الأصل الغالب . وأفاد بالتعبيرين ان القوم لم يتربوا بالحسنات ولا بالسيئات ، وان الحسنة على عظمتها وكثرتها ما زادتهم إلا غرورا بحالهم ، وتماديا في ظلمهم ، وإصرارا على بغيهم ، وان السيئة لم تفدهم عظة ولا عبرة ولم تحدث لهم توبة ، وهاك تفصيل ذلك * * * ( 131 ) وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ( 132 ) فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ * * * قلنا إن القوم لم يتربوا بالحسنات ولا بالسيئات . ولم يذعنوا لما أيد اللّه به تعالى موسى من الآيات ، بل اصروا بعد ايمان كبار السحرة على عد آيتي موسى من السحر وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ